بقلم: المهندس غسان جابر
أقترح أن نغيّر سؤال الانتخابات الفلسطينية.
بدل أن نسأل المواطن: «لمن ستصوّت؟»
فلنسأله أولًا:
«ماذا تريد أن يتغيّر في حياتك؟»
لأن المواطن لا يأكل برنامجًا انتخابيًا، ولا يدفع فاتورة الكهرباء بشعار، ولا يسدد قرضه ببيان صحفي.
وإذا كانت الانتخابات عقدًا بين المواطن والسياسي، فقد آن الأوان أن نقرأ العقد قبل أن نوقعه.
ومن هنا أقترح أداة انتخابية بسيطة اسمها:
«مؤشر الحياة»
لا يقيس عدد صور المرشح.
ولا عدد اللافتات.
ولا عدد الحاضرين في المهرجان.
ولا حتى عدد الذين قالوا: «الله يقويك» ثم اختفوا يوم التصويت.
يقيس شيئًا واحدًا:
ماذا سيغيّر هذا المرشح أو هذه القائمة في حياة الناس؟
كم فرصة عمل؟
كم مشروعًا إنتاجيًا؟
كم شابًا سيدخل سوق العمل؟
كم إجراءً بيروقراطيًا سيُلغى؟
كم متجرًا سيعود إلى العمل؟
كم مزارعًا سيحصل على دعم حقيقي؟
كم مدرسة ستتحسن؟
كم خدمة ستصبح أرخص أو أفضل؟
وكم ملفًا سيخضع للمساءلة؟
أريد أرقامًا، لا أمنيات.
في كل موسم انتخابي نسمع قاموسًا محفوظًا منذ عقود:
سنحارب البطالة.
سنواجه الفساد.
سنحقق التنمية.
سنحمي الشباب.
سننهض بالاقتصاد.
سنستعيد الثقة.
جميل.
لكن السؤال الذي يفسد جمال الخطاب قليلًا:
كيف؟، كم؟، متى؟ ومن المسؤول؟
فإذا لم توجد إجابة، فربما لا يكون لدينا برنامج انتخابي، بل قصيدة نثرية طويلة عن المستقبل.
وقد آن الأوان أن نميز بين الاثنين.
أنا لا أريد من القائمة الانتخابية أن تعدني بأنها ستغيّر فلسطين خلال مئة يوم.
فلسطين ليست تطبيقًا على الهاتف يحتاج إلى تحديث.
ولا أريد سياسيًا يعدني بأن البطالة ستختفي، والاقتصاد سيزدهر، وكل شيء سيصبح رائعًا بمجرد أن يجلس على الكرسي.
الكرسي، بالمناسبة، لا يملك عصا سحرية.
لكنه يملك مسؤولية.
وهذا هو الفرق.
لذلك، قبل الانتخابات، تقدم كل قائمة «مؤشر الحياة» الخاص بها:
خمسة أو عشرة التزامات واضحة.
لكل التزام رقم.
ولكل رقم موعد.
ولكل موعد مسؤول.
ثم تأتي الانتخابات.
يصوت المواطن.
يفوز من يفوز.
تبدأ المهمة الحقيقية.
وبعد سنة، لا نريد مهرجانًا جديدًا.
ولا بيانًا احتفاليًا.
ولا صورة جماعية أمام لوحة مكتوب عليها «أنجزنا».
نريد ورقة واحدة فقط:
وعدنا بهذا.
أنجزنا هذا.
لم ننجز هذا.
وهذا سبب عدم الإنجاز.
يا لها من ورقة مزعجة!
وربما لهذا السبب تحديدًا نحتاجها.
هنا يصبح الناخب شيئًا مختلفًا.
ليس رقمًا في صندوق الاقتراع.
وليس جمهورًا للتصفيق.
الناخب يصبح صاحب العمل.
والمرشح؟
موظفًا عامًا طلب الوظيفة بإرادته.
ومن حق صاحب العمل أن يسأل الموظف بعد عام:
ماذا أنجزت؟
لا أن يسمع منه:
«الظروف كانت صعبة».
نحن نعرف أن الظروف صعبة.
نعرف الاحتلال.
نعرف الاستيطان.
نعرف الانقسام.
نعرف أزمة الاقتصاد.
نعرف كل ذلك.
لكن السؤال ليس: لماذا لم تستطع تغيير ما لا تستطيع تغييره؟
السؤال:
ماذا فعلت بما تستطيع؟
وهنا تصبح الانتخابات أكثر جدية.
لا تتنافس القوائم على أطول خطاب، ولا أجمل شعار، ولا أكبر صورة.
تتنافس على أرقام قابلة للقياس.
وهنا أيضًا تنتهي لعبة «الصبر».
لا نريد من المواطن أن يصوّت اليوم، ثم يسمع غدًا:
«اصبروا، المرحلة حساسة».
ثم بعد عام:
«الظروف استثنائية».
ثم بعد عامين:
«هناك تحديات».
ثم بعد ثلاثة:
«حققنا الكثير، لكن الإعلام لم ينصفنا».
ثم تأتي الانتخابات التالية…
ويعود البرنامج نفسه، مع تغيير التاريخ فقط.
هذه المرة نريد ذاكرة.
ومؤشرًا.
ومحاسبة.
«مؤشر الحياة» ليس بديلًا عن النضال الوطني، ولا عن مواجهة الاحتلال، ولا عن مشروع الدولة والاستقلال.
بل هو جزء من معنى الدولة نفسها.
فالدولة ليست علمًا ونشيدًا ومقعدًا في الأمم المتحدة فقط.
الدولة أيضًا:
وظيفة، مدرسة، مستشفى، مزرعة، مصنع، سوق، قانون، وكرامة.
ولهذا، ربما حان الوقت لأن نعيد تعريف النجاح السياسي.
ليس بعدد المقاعد.
ولا بعدد البيانات.
ولا بعدد المؤتمرات.
بل بالسؤال البسيط الذي لا يستطيع المواطن أن يتهرب منه، ولا السياسي أن يجمّله:
هل أصبحت حياة الناس أفضل؟
إذا كانت الإجابة نعم، فلدينا إنجاز.
وإذا كانت لا…
فلا تنفعنا كل اللافتات.
فالانتخابات ليست موسمًا لبيع الوعود.
إنها توقيع على عقد.
والصوت ليس شيكًا على بياض.
إنه تفويض مشروط بالإنجاز.
أما من يريد صوت المواطن اليوم، ثم يطلب منه أربع سنوات من الصبر، ثم يعود إليه بالوعود نفسها…
فليعذرنا هذه المرة.
لدينا مؤشر جديد اسمه «مؤشر الحياة».
وفيه خانة واحدة لا تقبل التجميل:
هل تحسنت حياة الناس… أم تحسنت فقط حياة أصحاب المقاعد؟
م. غسان جابر.

التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.